سيد محمد طنطاوي
73
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أحدها : يخرج المؤمن من الكافر كإبراهيم من آزر ، والكافر من المؤمن مثل كنعان من نوح . والثاني : يخرج الحيوان - وهو حي - من النطفة - وهي ميتة - ، والدجاجة - وهي حية - من البيضة أو العكس . والثالث : يخرج السنبلة من الحبة وبالعكس والنخلة من النواة وبالعكس : ثم قال : والكلمة محتملة للكل : أما الكفر والإيمان فقال - تعالى - أَومَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناه يريد كان كافرا فهديناه ، فجعل الكفر موتا والإيمان حياة ، وسمى إخراج النبات من الأرض إحياء وجعل ما قبل ذلك ميتة فقال : يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وقال : فَسُقْناه إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِه الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وقال : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّه وكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ « 1 » . وفي الحق : إن المتدبر في هذا الكون وما يعترى سكانه من موت وحياة ليشهد ويذعن بأن لهذا الكون خالقا قادرا هو اللَّه الواحد القهار . ثم ختم - سبحانه - مظاهر قدرته ورحمته بقوله * ( وتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) * والرزق - كما يقول الراغب - يقال للعطاء الجاري تارة دنيويا كان أو أخرويا . وللنصيب تارة ، ولما يصل إلى الجوف ويتغذى به تارة أخرى يقال : أعطى السلطان رزق الجند ، ورزقت علما ، قال - تعالى - : وأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ . . أي : من المال والجاه والعلم » « 2 » . أي أنت يا اللَّه يا مالك الملك ، أنت وحدك الذي ترزق من تشاء أن ترزقه بغير حساب ، أي رزقا واسعا عظيما لأنك أنت صاحب الجود والكرم ، ولأنك ليس معك شريك فيحاسبك ، بل أنت المعطى بدون محاسب ، وبدون محاسبة من تعطيه ، ولأن خزائن ملكك لا ينقصها العطاء مهما كثر . ومن كانت هذه صفاته ، وتلك بعض مظاهر قدرته : من إيتاء الملك لمن يشاء ونزعه ممن يشاء وإيلاج الليل في النهار والنهار في الليل ، وإخراج الحي من الميت والميت من الحي ، كان من حقه أن يفرد بالعبادة والخضوع أَلا لَه الْخَلْقُ والأَمْرُ تَبارَكَ اللَّه رَبُّ الْعالَمِينَ . قال ابن كثير : روى الطبراني عن ابن عباس عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه قال : اسم اللَّه الأعظم الذي إذا دعى به أجاب في هذه الآية : * ( قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ، وتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ ، وتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * « 3 » .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 10 . بتصرف يسير . ( 2 ) مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص 194 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 122 .